الفيض الكاشاني
200
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
مدرة لا ينتفع بها كان خاسرا خسرانا مبينا ، وهذا مثال من ترك ذكر اللَّه واشتغل بمباح لا يعنيه فإنّه وإن لم يأثم فقد خسر من حيث فاته الرّبح العظيم بذكر اللَّه فإنّ المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره إلا اعتبارا ونطقه إلا ذكرا ، هكذا قاله النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم [ 1 ] ، بل رأس مال العبد أوقاته ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدّخر بها ثوابا في الآخرة فقد ضيّع رأس ماله ولهذا قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ( 1 ) بل ورد ما هو أشدّ من هذا . قال أنس : استشهد غلام منّا يوم أحد ووجدنا على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمّه التراب عن وجهه وقالت : هنيئا لك الجنّة يا بنيّ ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : وما يدريك لعلَّه كان يتكلَّم بما لا يعنيه ويمنع ما لا يضرّه » [ 2 ] . وفي حديث آخر « أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقد كعبا فسأل عنه فقالوا مريض فخرج يمشي حتّى أتاه فلمّا دخل عليه قال أبشر يا كعب فقالت أمّه : هنيئا لك الجنّة يا كعب ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من هذه المتألَّية ( 2 ) على اللَّه قال هي أمّي يا رسول اللَّه قال : وما يدريك يا أمّ كعب لعلّ كعبا قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه » ( 3 ) ومعناه أنّه إنّما تتهنّأ الجنّة لمن لا يحاسب ومن يتكلَّم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان كلامه مباحا فلا تتهنّأ له الجنّة مع المناقشة في الحساب فإنّه نوع من العذاب .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 3976 . ( 2 ) أي الحاكمة على اللَّه الذي يحلف به ، من الألية أي اليمين ، يقال : آلى يولي ايلاء وتألى يتألى تأليا . ( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من حديث كعب بن عجرة باسناد جيد إلا أن الظاهر انقطاعه بين صحابي وبين الراوي عنه كما في المغني . [ 1 ] قال العراقي : لم أجد له أصلا . لكن رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 237 في حديث عن الصادق عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله « ان أولياء اللَّه سكتوا فكان سكوتهم ذكرا ، ونظروا فكان نظرهم عبرة ، ونطقوا فكان نطقهم حكمة ، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة . . . الحديث » . [ 2 ] أخرجه الترمذي ج 9 ص 196 وقال : هذا حديث غريب وفيه « فلعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه » ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت بلفظ المصنف .